![]() ![]() ![]() ![]() |
||
|
خطاب الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة للتحوّل قرطاج،
في 7 نوفمبر 2002 في ما يلي النص الكامل للخطاب الذي توجه به الرئيس زين العابدين بن علي الى الشعب التونسي لدى إشرافه اليوم على موكب بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لتحول السابع من نوفمبر. بسم الله الرحمان الرحيم أيها المواطنون، نحتفل اليوم، باعتزاز ونخوة بالذكرى الخامسة عشرة للتحول، ونحن نستهل مع سائر الشعوب الإسلامية شهر رمضان المعظم، أعاده الله علينا باليمن والبركة، ونتطلع إلى المستقبل بكل ثقة وعزم لكسب رهاناته ومواجهة تحدياته. فقد مرت عشرية ونصف منذ أقدمنا على إنقاذ البلاد مما تردت فيه من مخاطر، عشرية ونصف من الإصلاحات الكبرى ومن الإنجازات والمكاسب في كافة المجالات، غيرت وجه البلاد بصورة جذرية. لقد راهنا على أصالة هذا الشعب وعبقريته وكسبنا الرهان، والآفاق اليوم أرحب أمام تونس بفضل ما توفر لها من قدرات في مختلف الميادين ومن توازن وتماسك، بين مكونات البناء الوطني. وإذ أعرب عن خالص شكري لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة على التكريم الذي نال تونس ونالني منذ حين، وعن تقديري لما يرمز إليه هذا التكريم من معان، فإني أتوجه بالشكر للسيد "جاك ضيوف" مديرها العام، لما جاء في كلمته من لطيف العبارات ونبيل المشاعر، محييا جهوده على رأس هذه المنظمة العتيدة ومكبرا إسهامه في تعزيز التعاون المثمر مع بلادنا. إنها مرحلة استشرفنا معالمها منذ الذكرى العاشرة للتغيير. وتمكنا على مدى الخماسية الماضية، من تفعيل التوجهات والخطط والسياسات التي اعتمدناها لمواكبتها، ومن تحويل جل الأهداف المرسومة لبرنامجنا المستقبلي إلى واقع ملموس. ومما يضفي على هذه المناسبة الوطنية أبعادا متميزة، أنها الأولى في بناء جمهورية الغد، الأولى منذ الإصلاح الدستوري الجوهري الذي أجمع عليه الشعب التونسي بمختلف فئاته في استفتاء عام أجريناه لأول مرة في تاريخ البلاد. جمهورية الغد، هي اليوم واقع
نبنيه في نسق ثابت يكرس الإصلاحات الدستورية الجديدة. هي
جمهورية الطموح، طموح كل التونسيين والتونسيات وخيارهم للمستقبل.
هي جمهورية السيادة للشعب والرفعة للوطن، قوية المؤسسات،
المشاركة فيها للجميع، لكل من يخدم تونس بصدق وحب وإخلاص،
ولكل من يعمل من أجلها ويضحي في سبيل عزتها، دون إقصاء ولا
تمييز. إن التغيير مسار متواصل والإصلاح
استشراف مستمر للمستقبل لا يكتفي بمواكبة التحولات بل يعد
لما بعدها. ونحن نذكر بهذه المناسبة بكل اعتزاز وإكبار رواد الإصلاح في بلادنا وزعماء الحركة الوطنية وقادتها وشهداءها ومناضليها، من خير الدين إلى الحبيب بورقيبة، ونحيي مآثرهم وتضحياتهم وننزلها المكانة اللائقة بها لتبقى مراجع لأجيالنا القادمة ومحطات وضاءة في تاريخنا الوطني. أيها المواطنون، إن المنهج الإصلاحي الشامل، الذي أرسيناه منذ التغيير لم يقتصر على البعد السياسي بل كان متكامل الأبعاد، متلازم المقومات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ونحن اليوم واعون كل الوعي بالتحديات التي تنتظرنا، تحديات تفرزها العولمة والأوضاع العالمية الجديدة وأخرى تفرضها التحولات النوعية العميقة التي يشهدها المجتمع التونسي. إن تونس اليوم غير تونس الأمس، ترسخت فيها الثوابت وتطورت كل المتغيرات تطورا عميقا، ومكانتها أرفع في محيطها المغاربي والعربي والإفريقي والمتوسطي والدولي عامة. تونس اليوم غير تونس الأمس، بما تحقق لشعبها من رفاه تبرزه المؤشرات البشرية والاقتصادية والاجتماعية. والتوقعات تؤكد عمق تلك التحولات في الأمد المنظور والبعيد؛ فتركيبة السكان ستؤول إلى هيكلة عمرية مختلفة مع موفى العشرية الأولى لهذا القرن وخلال العشرية الثانية، بنسبة أعلى للسكان فوق سن الستين ونسبة أقل لمن هم دون سن الرابعة والعشرين (24). وتحسنت ظروف عيش المواطن. وبلغ معدل أمل الحياة عند الولادة ثلاثة وسبعين (73) عاما ومن المرتقب أن يفوق أربعة وسبعين (74) عاما سنة 2006. وفاقت نسبة التمدرس حاليا 99% للأطفال في سن السادسة، مع التساوي في ذلك بين الجنسين. وتجاوزت نسبة الترسيم في التعليم العالي 28% للفئة العمرية 20-24 سنة، ومن المتوقع أن تفوق 35% سنة 2006 وأكثر من 40% مع موفى هذه العشرية، بعد أن كانت 6% سنة 1987. إنها توقعات تبرز بكل وضوح ملامح مجتمع الغد، ملامح ترسمها كل يوم مسيرة التغيير والجهود التنموية المبذولة في كل القطاعات، ملامح بلد يتقدم وشعب ناضج متعلم، ثروته ذكاء أبنائه وهدفه رقي الإنسان وكرامته ورفاهه. وهي توقعات تبرز كذلك أهمية التحديات التي تنتظرنا في مجالات التغطية الاجتماعية والتشغيل وتأهيل اقتصادنا الوطني ليكون اقتصاد الذكاء في مجتمع المعرفة، ذلك المجتمع الذي نعمل على بنائه وترسيخ دعائمه، ونهيئ له بالاستثمار في العلم والتعليم والتكنولوجيات الحديثة. وقد أولينا عناية خاصة لسياساتنا في القطاعات الاستراتيجية والحيوية في ميادين المياه وتحليتها، والطاقة وتجديدها، والبيئة وحمايتها، حتى فاق العشرية الثالثة من هذا القرن لتكون التنمية شاملة مستديمة. إن إصلاحاتنا السياسية هي الأرضية التي نتقدم عليها بكل ثبات في تطوير الحياة العامة، وندعم بها الحريات ونعزز سبل المشاركة لكل المواطنين والمواطنات. وقد شرعنا في إرساء ما جاء به الدستور في نصه الجديد، سواء في ما يخص تكريس تعددية الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة أو الإعداد للمراجعة الدائمة للقائمات الانتخابية. وستشهد الأشهر المقبلة إعداد القوانين الخاصة بمجلس المستشارين حتى يستكمل مقومات تركيزه، وتحتل هذه المؤسسة الدستورية الجديدة مكانها في البناء الجمهوري في الفترة القادمة. وقد أذنا بإعداد مشروع تحوير
للمجلة الانتخابية، سنعرضه على مجلس النواب خلال الشهور
القادمة. ونظرا إلى الأهمية التي نوليها للعملية الانتخابية
بمختلف مراحلها في تكريس الممارسة الديمقراطية، وضمان مصداقيتها،
وتأمين شفافية الانتخابات في كل مستوياتها، فقد كنا أذنا
باستشارة الأحزاب السياسية في شأن هذا التحوير، وقدمت تلك
الأحزاب مقترحاتها وإسهاماتها في مختلف جوانبه وستلقى هذه
المقترحات والإسهامات لدينا كل العناية. وإننا نأذن اليوم إلى جانب ما كنا أعلناه من تقليص عدد مكاتب الاقتراع وتيسير شروط اعتماد الملاحظين من قبل القائمات الانتخابية المشاركة، بأن يتضمن المشروع جملة من الأحكام والضمانات الجديدة في مستوى الترسيم بالقائمات الانتخابية. وذلك بالتنصيص على وجوب تسليم كل مواطن يقدم طلبا في الغرض وصلا يمكنه من تأمين حقه في المنازعة عند الاقتضاء. وكذلك بمنح مزيد الضمانات للناخبين من خلال مراجعة تركيبة اللّجان الجهوية التي تفصل في النزاعات المتعلقة بالترسيم والتي سيقر مشروع التحوير إسناد رئاستها إلى قاض. ولإضفاء المزيد من النجاعة على عملية توزيع البطاقات الإنتخابية وإتاحة أكثر الفرص للناخبين للحصول عليها، فإننا سنوسع في الفترة الزمنية المخصصة للجنة التي تبت في مطالب الناخبين المرسمين الذين لم يتحصلوا على بطاقاتهم في الآجال. وهي لجنة تشارك فيها الأحزاب السياسية. كما نأذن بأن يتضمن المشروع الجديد تحجير حمل أعضاء مكتب الاقتراع لشارات تدل على الانتماء السياسي، ويسهر رئيس المكتب على تنفيذ ذلك الإجراء مع سحبه على الملاحظين أيضا. وتعزيزا للضمانات المتوفرة للمترشحين وتطبيقا لمبدإ المساواة بينهم فإن مشروع تعديل المجلة الانتخابية سيتضمن تمكين الملاحظين من تدوين ملاحظاتهم حول سير عملية الاقتراع، وتقديمها في شكل مذكرة ترفق وجوبا بمحضر الفرز حيث يقع التنصيص عليها. علاوة على ما تقره المجلة حاليا من ضمانات للملاحظين في خصوص عملية الفرز. وإذ أتحنا المجال لتعدد الترشحات
للانتخابات الرئاسية القادمة من خلال مشروع القانون الدستوري
الذي بادرنا به مؤخرا، فإننا نعلن اليوم قرارنا بتيسير شروط
المنحة المخصصة للمترشحين لرئاسة الجمهورية حتى يتمكنوا
من تغطية مصاريف حملاتهم، وذلك بالتخفيض في الحد الأدنى
المطلوب من نسبة الأصوات المصرح بها من 5% إلى 3% لصرف القسط
الثاني من تلك المنحة واسترجاع الضمان المالي الذي يسبقه
المترشح. وإننا حريصون على أن تكون الانتخابات القادمة فرصة
جديدة لمشاركة مختلف الأطراف في ضوء مبادئ الشفافية والمنافسة
الديمقراطية وقيمها النبيلة وأخلاقياتها. وستكون مناسبة
نتيح فيها لمن يرغب في متابعتها من البلدان الشقيقة والصديقة
كل الظروف الملائمة لذلك. وحتى نمكن الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية ومكونات النسيج الجمعياتي من مزيد الفرص للتعريف بنشاطها وبرامجها، فإن مؤسسة الإذاعة والتلفزة الوطنية مدعوة إلى مزيد العمل على تغطية التظاهرات والنشاطات الهامة لتلك الأحزاب والمنظمات والجمعيات. لقد جعلنا من ترسيخ قيم حقوق
الإنسان إحدى دعائم الإصلاح الدستوري وثبتنا مبادئها ووسعنا
دائرة حمايتها في نص الدستور، فحرصنا على الارتقاء بحماية
المعطيات الشخصية انطلاقا من قناعتنا الراسخة بأن من كرامة
الفرد تحصين خصوصيات حياته لاسيما بعد التطور الذي عرفته
المعالجة الإعلامية للمعطيات. أيها المواطنون، إن تونس التغيير، هي بلد الحوار والوفاق الاجتماعي. وإذ أشير إلى نجاح الدورة الأخيرة للمفاوضات الاجتماعية وإلى تواصل تكريس هذا الخيار الجوهري، واستمرار الدعم للقدرة الشرائية للمواطن بدون انقطاع رغم صعوبة الظروف الاقتصادية ومعطيات المحيط العالمي الحالية، فإني أعرب عن عميق الشكر والتقدير لكافة الأطراف الاجتماعية وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، وممثلو الإدارة والمؤسسات العمومية، مكبرا روحهم الوطنية ووعيهم بالتحديات والرهانات وحرصهم على التوفيق بين دعم المكاسب الاجتماعية ومصلحة البلاد العليا. وفي ضوء الأوضاع العالمية الدقيقة وما يعيشه الاقتصاد العالمي من ركود في السنوات الأخيرة، فإن الجميع، جميع الأطراف، مدعوون إلى مزيد البذل واليقظة والمبادرة، حتى تواصل تونس مسيرتها بكل ثقة في هذا المحيط المتقلّب ويتمكن اقتصادنا الوطني من التفاعل مع التطورات المحتملة، وبالسرعة المطلوبة والكفاءة اللازمة. إن حرصنا على توخي الحوار منهجا يلازمه حرصنا على تكريس أولوياتنا الكبرى وفي مقدمتها التشغيل، وقد تمكنّا بفضل سياساتنا ومبادراتنا في هذا الميدان من تحقيق نسق مهم من التطور ونسبة عالية من الإستجابة للطلب المتزايد على الشغل خصوصا من قبل حملة الشهادات الجامعية. وهي نتائج مكنت من تحقيقها ليات الاقتصاد التضامني التي بادرنا بها في هذا المجال، وفي مقدمتها صندوق التضامن الوطني(26-26)، والصندوق الوطني للتشغيل (21-21)، إلى جانب البنك التونسي للتضامن ومنظومة القروض الصغرى ومختلف هياكل الدعم المختصة. وإذ أشير إلى ذلك، فإني أجدد
دعوة المؤسسات الاقتصادية إلى بذل مجهود أكبر للنهوض بالتشغيل
والاعتناء بالرفع في نسب التأطير. فالتكنولوجيا، مهما كانت
متقدمة تفقد جدواها بدون ذكاء بشري يطوعها ويفجر الإمكانيات
التي تتيحها. فتضاعف عدد الطلبة بالجامعة
قرابة سبع مرات منذ التغيير. وانتشرت المؤسسات الجامعية
في مختلف جهات البلاد وارتفع عدد الشعب الدراسية بها من
مائتين (200) إلى أكثر من أربعمائة (400)، تفاعلا مع تطور
حاجيات الإقتصاد الجديد وتنوعها. وإذ تؤكد النتائج سلامة
خياراتنا فهي تطرح اليوم علينا بعض التحديات وفي مقدمتها
توفير الظروف المناسبة لإسكان الطلبة وتأمين نقلهم خصوصا
في بعض المدن والمناطق التي تشهد ظهور نسيج جامعي بها لأول
مرة. وحرصا منا على تعزيز أسباب النجاح لأبنائنا وبناتنا
بالتعليم العالي فإننا نأذن بالقيام بمجهود إضافي هذا العام
بتخصيص الإمكانيات المادية اللازمة للشروع من الآن في توفير
مبيتات جامعية إضافية والإسراع باستكمال ما هو بصدد الإنجاز
منها. مع إيلاء هذا المشروع الأولوية القصوى ولو اقتضى الأمر
مراجعة ترتيب الأولويات بالنسبة إلى بعض المشاريع الأخرى. أما فيما يخص السنة الجامعية
الجارية، فقد أذنا الوزارات والمؤسسات العمومية التي تتوفر
لها بالجهات مبان يمكنها إيواء الطلبة، بأن تضعها على ذمة
منظمة التربية والأسرة لتوظيفها في الغرض. أيها المواطنون، إن تونس اليوم زالت فيها الفوارق المجحفة بين الجهات، سواء في مستوى البنية الأساسية أو التعليم أو توفير مختلف المرافق ومقومات الرزق والعمل وبعث المناطق الصناعية. واعتبرنا سياسات التنمية الجهوية من الأولويات الكبرى، وخصصنا المناطق الأكثر حاجة من غيرها، بمجهود إضافي. وقد انطلقنا في إنجاز المخطط العاشر في نسق يقرب بلادنا في هذه المرحلة من الدول المتقدمة. وتحققت لتونس نتائج مرضية رغم الصعوبات المناخية التي ميزت الأعوام الأخيرة، والتراجع الذي شهده الاقتصاد العالمي، والتقلص المسجل في مجال المبادلات التجارية، وما أصاب بعض القطاعات من تأزم إثر أحداث 11 سبتمبر2001 فقد بينت هذه النتائج، أن الاقتصاد التونسي تمكن من الحفاظ على توازنه وتماسكه الداخلي، إذ اتخذنا الإجراءات اللازمة في إبانها تحسبا لتقلباته. ونحن نتابع الأوضاع الاقتصادية العالمية بكل حرص حتى نؤمّن لمسيرتنا الاتجاه الأفضل، خصوصا بعد أن استعادت عديد القطاعات في الفترة الوجيزة الماضية سالف نشاطها. وهو ما يستوجب مزيد البذل والجهد، ومزيد الحذر واليقظة من قبل كل الأطراف. لقد قامت الدولة بدورها في هذا المجال بالسهر على ترشيد النفقات العمومية دون المساس بخيارات البلاد وأولوياتها، وواصلت تحسين البنية الأساسية للاقتصاد، والتحكم في التداين وفي نسبة التضخم. وعلى رجال الأعمال مزيد المثابرة لدفع نسق الاستثمار الخاص والتصدير واقتحام الأسواق الخارجية. ولا بد من الإشارة في هذا المجال إلى أن رفع نسق إحداث المؤسسات الجديدة يبقى رهانا أساسيا وضرورة استراتيجية لتحقيق أهدافنا في التشغيل والتنمية والرفاه. وأنتم تدركون أهمية الفترة
المقبلة. إنها فترة حاسمة في مسار الشراكة مع الاتحاد الأوروبي،
تستدعي منا استكمال مقومات المنافسة وإنجاح برنامج التأهيل
وتعميمه على قطاعي الخدمات والفلاحة، وبناء اقتصاد حديث
متكامل العناصر، وتحقيق مجتمع المعلومات، الذي وفرنا له
البنية الأساسية اللازمة في مستوى تكنولوجيات الاتصال. وكان
له أفضل الأثر في تأهيل محيط الإنتاج. وسنواصل الجهود لتعزيز بقية
مكونات البنية الأساسية وتطويرها. أما في ميدان تعبئة الموارد
المائية واستكمالا للخطة التي رسمناها في هذا المضمار، فإننا
نأذن بالشروع في إنجاز ثلاثة سدود جديدة بالشمال. كما شهد قطاع الفلاحة والصيد
البحري منذ التغيير نقلة نوعية ضمنت للبلاد أمنها الغذائي
والمائي وأسهمت في تدعيم الميزان التجاري. ونحن نأذن اليوم بإنجاز دراسة معمقة لظاهرة تقلبات المناخ وانعكاساتها الجديدة على القطاع الفلاحي، وعلى الأنظمة البيئية ببلادنا لتشخيص مخاطرها وتحديد طرق التعامل معها. وذلك قصد ضبط استراتيجية متكاملة وبرامج تنفيذية للحد من ثارها السلبية وإعداد البدائل الممكنة لحماية الطاقات الإنتاجية والإستفادة من السنوات الممطرة. إن المبادرة اليوم هي دعامة
الاقتصاد الوطني ومصدر الإنتاج والتشغيل. واعتبارا لدور شركات الاستثمار في مساندة الباعثين وتنويع النسيج الاقتصادي، فقد قررنا مضاعفة رأس مال شركات الاستثمار في كل من الشمال الغربي والوسط الغربي والجنوب لإعطائها دفعا جديدا وتفعيل تدخلاتها، والإرتقاء بها إلى المستوى المأمول. وحفزا على المبادرة وإتاحة الفرصة لمن يأنس في نفسه القدرة على إنجاز مشروع فردي، من الإطارات والموظفين العاملين في القطاع العمومي، قررنا تمكين كل من تتوفر في مشاريعهم مقاييس الاستحقاق والجدوى، من عطلة لمدة سنة قابلة للتجديد مرة واحدة، لكي يتفرغوا لإنجاز مشاريعهم في مناطق التنمية الجهوية، مع منحهم نصف مرتباتهم خلال فترة التفرغ. واستكمالا للآليات التي أحدثناها لمساندة الإستثمار، وسعيا إلى تمكين المؤسسات الصغرى والمتوسطة من التمويلات المناسبة، نأذن اليوم بإحداث نظام لضمان القروض والمساهمات لفائدة المؤسسات في القطاعات غير الفلاحية. وسيشمل هذا النظام المشاريع الجديدة التي لا تفوق كلفتها ثلاثة ملايين دينار ويخص القروض المتوسطة وطويلة المدى وكذلك مساهمات شركات الإستثمار والقروض قصيرة المدى لفائدة المؤسسات الجديدة. كما نأذن بوضع جملة من الحوافز الإضافية على بعث مثل هذه المشاريع. وكذلك حوافز جبائية بالنسبة إلى حسابات الادخار المخصص للإستثمار. ووفقا لما تضمنه برنامجنا المستقبلي من إحداث قطب تكنولوجي كل سنة نأذن اليوم بالشروع في إقامة قطبين جديدين خلال سنة 2003 في برج السدرية وسيدي ثابت. وبذلك نتقدم خطوة أخرى نحو تحقيق الترابط والتكامل بين منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجي والتكوين المهني من جهة، وآليات بعث المشاريع وإحداث المؤسسات في القطاعات المجددة من جهة أخرى. ولما كان قطاع الصناعات التقليدية من المقومات الحيوية للإقتصاد، وله دور مهم في ترسيخ الهوية والثقافة الوطنية، علاوة على ارتفاع عدد العاملين فيه إلى ثلاثمائة (300) ألف حرفي، فقد أذنا بعرض نتائج الدراسة الاستراتيجية حول الصناعات التقليدية في أفق سنة 2016 على استشارة وطنية، لقيت لدى أهل القطاع الترحيب والتجاوب في مختلف جهات البلاد، وستجد لدينا توصياتها ومقترحاتها كل العناية. أيها المواطنون، إن من مقومات الإستقرار، التوازن والإعتدال والوسطية. وقد مكنت خياراتنا السياسية والتنموية والثقافية من تكريس مفهوم المجتمع الوسط، الذي يجد قاعدته المادية في أهمية الطبقة الوسطى ببلادنا حيث تفوق نسبتها اليوم ثلاثة أرباع السكان. وهو مكسب سنواصل تعزيزه حتى لا يبقى في بلادنا مكان للتهميش أو عمق الفوارق، معتمدين في ذلك على ثوابت وخيارات لا نحيد عنها في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ خيارات قوامها عدالة توزيع الثروات بين الجهات والفئات، ورؤية ثاقبة للتضامن. وهي نفس المبادئ التي ننادي بها ونعمل من أجلها في الساحة الدولية ؛ لأن من أكبر المخاطر التي تهدد التضامن البشري، اتساع الهوة بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة، وما ينجر عن ذلك من مآس وصراعات وشعور باليأس والإحباط. ويبقى مبدأ التضامن بين الدول والشعوب رافدا جوهريا لمعالجة أسباب هذه المخاطر والتقليص من تلك الهوة التي تهدد الأمن والإستقرار في العالم. لذلك نادينا بإحداث الصندوق العالمي للتضامن الذي حظي بإجماع أممي ومساندة دولية واسعة. ونحن نأمل أن يقع تركيزه في أسرع الأوقات وبتظافر جهود الجميع في إطار الأمم المتحدة. إن تكريس ذلك المبدأ على المستوى الدولي يستدعي ترسيخ ثقافة التفاهم والتعاون والتضامن بين الشعوب وغرس قيمها ومفاهيمها وتطويرها. ونعتقد أن المفكرين والمثقفين في مختلف أنحاء العالم هم المؤهلون قبل غيرهم للقيام بهذه المهمة النبيلة. وإسهاما من بلادنا في الترويج لهذه الثقافة والتشجيع عليها، نعلن اليوم قرارنا بإحداث "جائزة التضامن العالمية لرئيس الجمهورية" التي تسند لكل من يتميز في هذا المجال على الصعيد العالمي من أهل الفكر والفن والثقافة أو من المنظمات والجمعيات. إننا حرصنا منذ التغيير على دعم مبادئ ديننا الحنيف السمحة من اعتدال وتكافل وتآزر وتعاون. ودعونا دائما إلى حوار الحضارات والثقافات. ونحن نعمل باستمرار على دعم الصورة المشرقة للإسلام في العالم، خصوصا بعدما شوهت الأفعال الإجرامية للإرهابيين فهم الكثيرين لحقيقته في الغرب. وإسهاما منا في حث أهل الذكر على بذل مزيد الجهود في هذا المجال، نعلن عن إحداث "جائزة رئيس الجمهورية العالمية للدراسات الإسلامية" من أجل إثراء الفكر الإجتهادي المؤمن بالحوار والتفتح، الرافض للإنغلاق والتحجر. أيها المواطنون، وقد أصبح من الضروري إحكام تنظيم هذه المهنة، مما يستدعي القيام بدراسة في الغرض لإنشاء معهد أعلى للمحاماة يتلقى فيه المؤهل لهذه المهنة تكوينا إضافيا، مع مواصلة تأمين حق أصحاب شهادة المرحلة الثالثة حقوق في الالتحاق بالمهنة. كما سنحرص على حماية هذه
المهنة من بعض الممارسات غير الشرعية، مثل استغلال الإعفاء
من نيابة المحامي لممارسة المحاماة بصفة غير قانونية. ونحن حريصون على وضع نظام للرعاية الاجتماعية للمحامي على غرار ما شملنا به بقية الفئات المهنية. وإذ أولينا المحامين الشبان كل الرعاية للإنطلاق في مسيرتهم المهنية بأوفر حظوظ النجاح، فإننا ندعو إلى تعزيز إمكانيات تأطيرهم. كما نأذن اليوم بدرس سبل مساعدتهم على الإنتصاب لأول مرة لحسابهم الخاص. وتشجيعا للمحامين الناشئين، نأذن كذلك بالترفيع مجددا في منحة التسخير. وقد أذنا من جهة أخرى، باتخاذ الإجراءات الكفيلة بمزيد تيسير ظروف عمل المحامي بالمحاكم، على أساس الإحترام الواجب للسلطة القضائية وفي إطار التعاون بين مختلف مكونات الأسرة القضائية. أيها المواطنون، إن الأسرة هي النواة الأساسية في النسيج الاجتماعي. لذلك خصصناها بالرعاية والحماية عبر مختلف الإصلاحات التشريعية التي قمنا بها في الغرض، حتى يضطلع أفرادها بأدوارهم في كنف التماسك المتين، والسلوك الحضاري المتأصل في ثقافتنا. وإن في خياراتنا الثابتة تجاه المرأة ما يدعم باستمرار وضع الأسرة، إذ مكنّا المرأة التونسية من مقوّمات الكرامة الكاملة والمساواة مع الرجل في النص والممارسة. إن المرأة التونسية اليوم، بوضعها المريح ووعيها المتميز، سند قوي للتغيير والإعداد للمستقبل. كما أولينا في هذاالسياق المنزلة الفضلى للطفولة التونسية؛ فأحطنا أوضاعها بكل الضمانات والآليات اللازمة لرعايتها وتأمين حقوقها وتنشئتها التنشئة السليمة. وحرصا منا على مزيد الإرتقاء بتلك الأوضاع إلى ما يواكب التحولات المرتقبة على مختلف الأصعدة، نأذن اليوم بالشروع في إعداد خطة عمل وطنية للعشرية الثانية (2002-2011) لفائدة الطفولة، تطويرا للمكاسب والإنجازات التي تحققت لها في العشرية الأولى. إن رعايتنا للطفولة رهان على تونس المستقبل، التي نعدّ شبابها اليوم ليضطلع بدور فاعل في مسيرتها. وأمام التحديات المرتقبة، فإن الشباب مدعو إلى مزيد الإجتهاد والبذل، من أجل التفوق والتألق في كافة الميادين، والتحلي بالطموح وروح المغالبة، حبا للوطن وتعلقا برايته. وستكون الإستشارة الشبابية القادمة، فرصة لتقويم ما أنجز ولوضع خطة وطنية طموحة لمزيد الإرتقاء بأوضاع الشباب في مختلف المجالات إلى موفى العشرية الحالية. وقد أولينا الترفيه عناية خاصة شملت كل فئات المجتمع. ونحن نأذن اليوم بوضع خطة وطنية في هذا المجال، بالتنسيق بين جميع الأطراف المعنية، تستهدف الشباب من مختلف الشرائح الإجتماعية، فتحكم هذه الخطة تنظيم الوقت الحر، وحسن استغلال الفضاءات الموجودة، وتعمل على تطوير الأنشطة الترفيهية بما يتلاءم مع حاجيات كل الأصناف والأعمار، وتتوفق إلى الجمع بين الإفادة والإمتاع، مع فتح إمكانيات الإشهار والإستشهار في المشاريع الترفيهية أمام الخواص وتشجيعهم على الإستثمار فيها. وإن المجهود الوطني المبذول
للإرتقاء بقطاع الثقافة ببلادنا والذي تضاعف بتكريس الهدف
المرسوم له في برنامجنا المستقبلي، يبرز اليوم الآفاق الجديدة
المفتوحة أمام الثقافة والمثقفين لمزيد الإنتاج والإبداع،
والتتويج وطنيا ودوليا. ونحن نعتبر التنمية الثقافية دعامة
أساسية لكسب رهان العولمة وتعزيز مقومات هويتنا الوطنية،
وهو ما يستوجب منا جميعا العناية بالصناعة الثقافية وتنويعها
وتطويرها وتشجيع الخواص على الإستثمار فيها. إننا نريد إعلاما يستمد من حق الإختلاف وحرية الرأي مادته ومراجعه ومنطلقاته، إعلاما يرقى إلى ما تقتضيه أخلاقيات المهنة ومقاصدها النبيلة من ضوابط، فيبتعد بذلك عن السقوط في الإبتذال وانتهاك الأعراض وتغليب نوازع الكسب السريع على رسالته السامية، إعلاما يعوّد جميع الأطراف من صحافيين ومتلقين ومسؤولين، على قبول النقد واحترام الرأي الآخر، وهو ما يزيد قيم التعددية وحرية التعبير رسوخا في مجتمعنا، ويمكن الإعلام من أداء دوره كاملا في خدمة قضايا الوطن. وسنعمل على تكثيف منابر الحوار في وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة، بما يسهم في مزيد تعزيز مشاركة سائر مكونات المجتمع والتعريف بمختلف الآراء والتحاليل. ودعما لهذا الخيار، نأذن من جهة أخرى بتخصيص حصة تلفزية للنقل المباشر لمداولات الجلسات القطاعية في مجلس النواب. وندعو مؤسسة الإذاعة والتلفزة إلى الإستفادة من الإمكانات التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، قصد توسيع خارطة الإعلام السمعي البصري، في اتجاه بعث قنوات إعلامية متخصصة وأخرى جهوية أكثر التصاقا بمشاغل المواطن في مناطقها، بما يستجيب لتعدد الإهتمامات والأذواق وتنوعها، ويؤهل بلادنا لمواكبة الثورة الإتصالية في العالم. أيها المواطنون، إن وفاءنا للبناء المغاربي من ثوابتنا. وقد عملنا بكل جدّ على تعزيز علاقاتنا الثنائية مع البلدان المغاربية الشقيقة وتوسيع قاعدة التعاون معها. ولم ندخر جهدا منذ تأسيس الإتحاد المغاربي للنهوض بالعمل المغاربي المشترك، والسعي مع أشقائنا قادة دول المنطقة إلى تجاوز الصعوبات الظرفية لتحقيق الهدف المنشود، وتكريس طموحات شعوبنا في التكامل والوحدة. كما أن من ثوابتنا التي لا محيد عنها، مساندة نضال الشعب الفلسطيني الشقيق من أجل استرجاع حقوقه المشروعة كاملة، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير، وبناء دولته المستقلة على أرضه وعاصمتها القدس الشريف. وإذ نجدد مناصرتنا لكفاحه المشروع، فإننا نعرب عن عميق انشغالنا لتواصل الإعتداءات اليومية المتكررة عليه، ولاستهداف قوات الاحتلال الاسرائيلية لقيادته الشرعية، وإمعانها في تدمير بنيته الأساسية وفي تعطيل مؤسساته. وإن تونس إذ تؤكد موقفها الثابت إزاء هذه القضية العادلة، تدعو الأطراف الفاعلة على الساحة الدولية، إلى التحرك الحازم للإسراع بتأمين الحماية للشعب الفلسطيني الشقيق، وتوفير الظروف اللازمة لاستئناف المفاوضات، كسبيل وحيد لتحقيق السلام العادل والشامل والدائم لشعوب المنطقة كافة. وحتى يتحقق الأمن والإستقرار في منطقة الشرق الأوسط، فإنّه يتعين كذلك التقدم في معالجة القضية العراقية بالطرق السلمية. وإننا نعتقد أن الحوار بين الأمم المتحدة والعراق يبقى الوسيلة الأفضل لحل المشاكل العالقة خاصة بعد التعامل الإيجابي الذي أظهرته السلطات العراقية مع المنتظم الأممي. إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 الإرهابية، وما خلفته من انعكاسات خطيرة على الإستقرار والأمن والتفاهم في العالم، تملي على المجموعة الدولية دعم تعاونها المشترك ضد الإرهاب ومعالجة أسبابه، على أساس مقاربة شاملة متكاملة، قوامها الحوار والتضامن والتعاون. وكنا قد نبهنا إلى مخاطر
هذه الظاهرة منذ بداية التسعينات عندما أكدنا أن التطرف
والإرهاب يشوهان تاريخ الإنسانية بالفكر المتحجر والعمليات
الدموية. وبيّنّا أن الارهاب لا يمكن استئصاله، إلا بإعادة
النظر في تعامل بعض الأطراف الغربية مع جماعاته. ودعونا
المجتمع الدولي، من مختلف المنابر الأممية والجهوية، إلى
وضع قواعد سلوك في هذا المجال. ونعتقد أن الوقت حان لعقد
مؤتمر دولي حول الإرهاب كنّا دعونا إليه منذ سنة 1998 حتى
يضع مدونة سلوك يلتزم بها الجميع، من شأنها أن تساعد على
إقامة حوار مسؤول، يتجاوز ازدواجية المعايير. ويحدد القواسم
المشتركة لمقاومة الارهاب. إن التطرف والإرهاب ظاهرتان خطيرتان تهددان الإنسان في أعز حقوقه وأقدسها، ونحن إذ نحيي بكل إكبار مناضلي حقوق الإنسان النزهاء، شخصيات، ومنظمات أممية وغير حكومية وجمعيات ومؤسسات، نعتبر أن الإنحراف عن قيم حقوق الإنسان النبيلة، بترديد مزاعم المتطرفين وأكاذيبهم، يزيد في استفحال أخطار التطرف والإرهاب. وإن تونس، دولة القانون والمؤسسات،
بقدر ما تحترم النضال الشريف والحوار النزيه، فإنها لا تقبل
الانحرافات التي تمس بجوهر حقوق الإنسان ونبل مبادئها. أيها المواطنون، إن استقلال تونس ومناعتها
وازدهارها أمانة بين أيدينا، نرعاها ونتقدم بها في كل الميادين،
وفاء لتضحيات الشهداء والمناضلين وبرا بأجيالنا الصاعدة. وعلى قدر تفاؤلنا يقوى عزمنا على مزيد البذل والإنجاز، لأن عزمنا لا يفل، وثقتنا بشعبنا لا تتزعزع ؛ شعبنا الذي صنع الأمجاد على مدى تاريخه الطويل ومازال يصنع، في إباء وطموح. فلنحافظ على هذه الروح، ولنتفان
في خدمة وطننا وشعبنا، وتأمين المستقبل الأفضل لهما.
تقديم المبادرة | مصادقة الأمم المتحدة | المساندة الدولية | التجربة التونسية | أنباء موجزة | منبر الاراء | مواقع أخرى |
![]() ![]() ![]() ![]() |
|